ابن تيمية

37

مجموعة الرسائل والمسائل

بأذنه وناداه بصوت سمعه موسى ، والصوت لا يكون إلا كلاماً والكلام لا يكون إلا حروفاً منظومة ، وقال قال تعالى : " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " وقال : " حم تنزيل من الرحمن الرحيم " وقال : " حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " فقد بين في غير موضع أن الكتاب والقرآن العربي منزل من الله ، وهذا معنى قول السلف : منه بدا ، قال أحمد ابن حنبل رحمه الله : منه أي هو المتكلم به ، فإن الذين قالوا إنه مخلوق قالوا خلقه في غيره عبداً فبدا من ذلك المخلوق ، فقال السلف : منه بدا ، أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره فيكون كلاماً لذلك المحل الذي خلقه فيه ، فإن الله تعالى إذا خلق صفة من الصفات في محل كانت الصفة صفة لذلك المحل ولم تكن صفة لرب العالمين ، فإذا خلق طعماً أو لوناً في محل كان ذلك المحل هو المتحرك ( 1 ) المتكون به ، وكذلك إذا خلق حياة أو إرادة أو قدرة أو علماً أو كليهما في محل كان ذلك المحل هو المريد القادر العالم المتكلم بذلك الكلام ، ولم يكن ذلك المعنى المخلوق في ذلك المحل صفة لرب العالمين ، وإنما يتصف الرب تعالى بما يقوم به من الصفات ، لا بما يخلقه في غيره من المخلوقات ، فهو الحي العليم القدير السميع البصير الرحيم المتكلم بالقرآن وغيره من الكلام ، بحياته وعلمه وقدرته وكلامه القائم به لا بما يخلقه في غيره من هذه المعاني ، ومن جعل كلامه مخلوقاً لزمه أن يقول المخلوق هو القائل لموسى : " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " وهذا ممتنع لا يجوز أن يكون هذا كلاماً إلا لرب العالمين ، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن والتوراة وغير ذلك من الكتب بمعانيها وألفاظها المنتظمة من حروفها لم يكن شيء من ذلك مخلوقاً بل كان ذلك لرب العالمين ( 2 ) ، وقد قيل للإمام أحمد

--> ( 1 ) قوله المتحرك غير ظاهر لأن ما قبله ليس فيه معنى الحركة فإما أن يكون قد سقط منه شيء وأما أن يقال المتصف أي بالطعم واللون ( 2 ) لعل الأصل صفة أو كلاما لرب العالمين